الأحد، 24 يونيو 2012

قوانين النهضة - القانون الاول - الفكرة المركزية - الجزء الثالث


قوانين النهضة
القانون الاول - الفكرة المركزية -
الجزء الثالث


مواصفات الفكرة المحفزة
1-    فكرة مستقاة من الفكرة المركزية ومنطلقاتها.
2-  فكرة غير مركبة وبسيطة جداً تستوعبها عموم الجماهير. مثل الفكرة المحفزة لخطاب الرسول الذي عبر عنه ربعي بن عامر "جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"، أو لمحمد بن علي مؤسس الدولة

العباسية "الحكم للرضا من آل البيت"، أو للشيوعية حين رفعت شعارات"نريد خبزاً"، "اتحدوا يا عمال الأرض"، أو لليهود "فلسطين أرض الميعاد". إن لمس حاجة المستهدفين بالخطاب هو أحد أهم مفردات النجاح.

3-  فكرة تتعلق بصورة مباشرة بقضايا الناس وهمومهم. ولذلك كان المستجيبون لدعوات الأنبياء والرسل والمصلحين في بداية دعواتهم هم ضعاف القوم الذين يجدون في الفكرة مخرجاً لهم، فيتحملون ويبذلون من أجلها.

ماذا لو غابت الفكرة المحفزة؟!
إن من أهم الأشياء التي يجب أن ينتبه إليها القائد أن تظل الفكرة المحفزة مستعرة في نفوس أنصاره، وأن يذكرهم بها ويؤكد عليها. أما إذا غابت الفكرة المحفزة عن أعين الأنصار، فإنهم  يتفلتون وينفضون ويسئمون. فالفكرة المركزية ليست في حد ذاتها كفيلة بالحفاظ على حماس الجموع المحتشدة.


إن من أخطر الأخطاء التي قد يقع فيها قادة مشروع النهضة هي اعتمادهم على الفكرة المركزية في حشد الجماهير دون اختيار الفكرة المحفزة التي تلتقي مع تطلعات هؤلاء الجماهير وتضمن استمرارية الحشد وتعطي للعكل اليومي معناه.

ما هي الفكرة المحفزة التي تتوفر لدينا اليوم ويمكن أن تفجر بها طاقات الأمة؟

لا توجد اليوم أمة إلا وتخلق لها تحدياً يحفزها على النمو والتطور. وانظر إلى المنظومة الغربية عندما كانت تصطدم مع المنظومة الشيوعية، وكانت تجعل هذا حافزاً على التطوير والتصنيع والتنافس. وهكذا كان الخطر الشيوعي يضخم في بلاد الغرب، لكي يتم استغلال أكبر قدر من الطاقات في هذه المجتمعات لعملية التحدي والارتقاء، مع أن كثيرين من المنظرين كانوا يعلمون أن هذه الكتلة كانت تتهاوى وتتراجع، وأن ملكاتها وقدراتها ليست على  تلك الكفاءة من الإبداع. ولكن استمرت عملية التحدي إلى أن سقط الاتحاد السوفيتي، وسقطت معه المنظومة الشيوعية. فبدأ البحث عن تحدٍ آخر يمكن أن يشكل حافزاً لهم، فتكلموا عن الخطر الأخضر( الإسلامي)، ونمّوا هذه الفكرة وطوروها وبنوا لها المعاهد ودارت عجلة البحوث.

هل نحتاج إلى خلق تحديات؟؟

إن عملية استنهاض طاقات أمة من الأمم تصبح في بعض الأحيان مسألة فنية تقنية، يعكف عليها العلماء والمفكرون، حتى يوجدوا تحدياً مناسباً لمجتمع من المجتمعات. ونحن في واقعنا لا نحتاج خلق التحديات. فالتحديات قائمة في مجتمعاتنا وفي مواجهتنا. وما زالت ثلاثية التحرير والنهضة والوحدة من أكبر المحفزات التي يمكن الاستفادة منها لإعادة بناء هذه المجتمعات، وتفجير طاقاتها. ولكن تكييفها وطرحها في الخطاب يحتاج إلى معرفة ارتباطاتها بالقضية القطرية المحلية، حيث أن نقطة الانطلاق

العملية لا تتم بخطاب لا يلمس الاحتياجات المحلية لكل قطر. وعلى الحركات والأحزاب والدول أن تختار خطابها الداخلي المفجر والحاشد للطاقات، لتوظفه في عملية النهوض والبناء.

مستلزمات  القانون:
1-    المعرفة:
فمعرفة القانون هي أول ما يجب على قادة وطلاب النهضة وتشمل:

§  معرفة منطوق القانون.

§ معرفة الفكرة المركزية وهي الإسلام كنظام شامل والإلمام به كفكرة مركزية تصبغ كل شئون الحياة.

2-    الاستخدام:
فالقانون إن تمت المعرفة به وجب استخدامه في التغيير استخداماً محنكاً،  وذلك من خلال:
§  تحديد الفكرة المركزية تحديداً دقيقاً وشرحها لقادة النهضة وطلابها والمثقفين في الأمة.
§  تحديد الفكرة المحفزة الواضحة لجموع الأمة لحشدهم من أجل عملية التغيير ونهضة مجتمعاتهم.
§  الاستفادة من التحديات الثلاثة التي تواجهها الأمة – الاستعمار والتخلف والفرقة - في انتقاء الفكرة المحفزة.

3-    عدم المصادمة:
وتتم مصادمة القانون والحصول على نتائج عكسية في حالة:
§        اختيار فكرة مركزية من خارج ثقافة المجتمع (محاولة اسنبات الليبرالية والشيوعية في بلاد الإسلام).
§        اختيار فكرة محفزة لا تتعلق باحتياجات الجماهير وتطلعاتهم المحسوسة (برنامج سياسي لا يلامس الواقع).

إن أمتنا تتوفر لديها فكرة مركزية كبيرة لو أحسن التعامل معها. وفكرة محفزة قائمة يمكن البناء عليها في إطلاق طاقات مجتمعاتنا للنهوض بها، واستخراج أكبر ما عند الإنسان من مخزون مهاري وعقلي وعلمي، ومن جهد عبر استخدام هذا القانون استخداماً مدروساً.

إن تكييف الخطاب السياسي العام انطلاقاً من القضايا الثلاث الكبرى: الحرية والوحدة والتنمية يعني أن ينتقل بها لما هو محسوس. واليوم يمكن أن تُطرح نفس المواضيع من خلال شعار مثل "وحدة المصير"، حيث يرى كل العقلاء أن مشاريع الخلاص الفردي لن تجدي، وأن روح المرحلة هي فكرة وحدة المصير. وهذه أو غيرها قد تشكل قاعدة انطلاق للاحتشاد العام في الحالة الكلية للأمة.

أما الحالات القطرية فلكل منها خصوصيته مع وجود أوجه تشابه كثيرة بين الأقطار. وتستطيع أن تبني من القوى الفاعلة – سواءً كانت حركات أو أحزاب أو دول – قضية محفزة محورية وخطاب الجماهير بها حتى يمكن إطلاقها في ساحة الفعل النهضوي في المجتمع.

وهكذا لابد أن يتضح هذا القانون في أذهان قادة وطلاب النهضة. فلكل نهضة فكرة مركزية وفكرة محفزة.

المصدر: كتاب قوانين النهضة 

انتهى الجزء الثالث


الاثنين، 18 يونيو 2012

قوانين النهضة - القانون الاول - الفكرة المركزية - الجزء الثاني


قوانين النهضة
القانون الاول - الفكرة المركزية -
الجزء الثاني






ثانياً: الفكرة الشيوعية

إذا نظرنا إلى الشيوعية، سنجد أن قلب الفكرة الشيوعية يقوم على تقليص دور الفرد لصالح المجموع. فبحجة حماية مصالح العمال، والمصلحة العامة، والقضاء على الطبقة الرأسمالية، وعلى الإقطاع، وعلى استغالال الإنسان؛ تقوم الدولة بالسيطرة على جميع مناحي الحياة وتقييد الحريات، ورسم الحوارات المقننة، وتعريف المساواة بطريقة تجعل الإنسان ترس في الآلة الشيوعية. ولا تقبل الدولة في هذا النظام التعايش إلا بالموافقة على مبادئها والعيش بها. وترى أن التراضي يجب أن يكون بين الطبقة العاملة. وبالتالي يجب قمع بقية الطبقات. والدستور هو دستور الشعب.
فالشيوعية تؤمن بالحرية والحوار والمساواة والتعايش والتراضي والدستور، ولكن بتفسير يصب في مجمله على القضية الرئيسية، ألا وهي تقليص حقوق الفرد لصالح المجموع.

ثالثاً: الفكرة الإسلامية:

إن جوهر الإسلام هو العدل أو بحسب التعبير القرآني "ليقوم الناس بالقسط"، فيأتي الإسلام ليوازن بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع، وينظم هذه العلاقة من خلال نصوص، سواء أكانت قطعية الثبوت أو قطعية الدلالة، أو ما هو دون ذلك، أو ما هو في منطقة المباح.
وهكذا سنجد أمامنا ثلاثة أفكار مركزية كبرى. تطرح كل منها كلمات مثل الحرية والمساواة والتعايش والتراضي والحوار والدستور وغيرها. لكن ما الذي يفرق بين هذه الأفكار؟
الحقيقة أن هذه الكلمات كالحرية والعدل والمساواة عندما تجرد بمثل هذا الشكل تسمى مفاهيم. وهذه المفاهيم في حد ذاتها ليست موضع خلاف. ولكنها تحدد من خلال الفكرة المركزية وتصطبغ بها، ومن هنا يأتي الخلاف.
ولنفهم هذا الموضوع نضرب مثلاً بالحرية. وابتداءً نطرح هذه التساؤلات:
§  متى تمنح الحرية؟؟
§  كيف تمنح؟؟
§  ما هي السعة التي يتحرك فيها الإنسان؟؟
§   من يحدد هذا السقف؟؟
سنجد أن هذا السقف في الإسلام يحدده الله سبحانه وتعالى، بينما يحدده الإنسان في كل من الشيوعية والليبرالية.
إن الإطار المرجعي أوالفكرة المركزية لكل مجتمع أو لكل أمة من الأمم هو الذي يصبغ هذه المفاهيم بصبغته، ويكون التصورات لدى هذه الأمم عن تلك المفاهيم. والإطار المرجعي لدى الغرب يتمثل في فكرة الليبرالية، ولدى المجتمعات الشيوعية يتمثل في الماركسية، ويتمثل في الإسلام لدى المجتمعات المسلمة، وهكذا.. وهذا الإطار المرجعي هو من صنع الإنسان في الشيوعية والليبرالية، أما لدى المجتمعات المسلمة فإنه من الوحي.
فإذا قال قائل:  إن هناك مفاهيم كثيرة في التراث الإسلامي تعمل على صناعة الإسلام، وعلى صورته الوردية التي يرسمها دعاة الإسلام!!

نقول له أنه لا يلغى الفكرة الإسلامية بعض الأفكار أو المفاهيم التي دخلت على الفكرة الرئيسة عبر القرون المتطاولة، بل يجب إزالة هذه الحشائش الضارة من هذا التراث الضخم، وأن يؤخذ منه ما هو متفق مع نصوص الإسلام الصحيحة السليمة، وما هو متفق مع أسمى وأنبل ما في:-

البشرية من أخلاق وقيم.

الإسلام فكرة مركزية من باب الدين و المصلحة
نحب أن نوضح لكل تيارات الأمة أن اختيارنا للفكرة المركزية في مجتمعاتنا الإسلامية ليس فقط من باب الدين - وإن كان هذا هو غاية المنى وأسمى اختيار - إنما هو أيضاً من باب المصلحة. فعلماء الإدارة حين يتحدثون عن التنمية والتغيير في المنظمات والمؤسسات والدول ينصحون بان يكون متفقا مع المنظومة القيمية الأساسية داخل هذه المنظمة. وأنه في حالة اختيار منظومة قيمية نقيضة للمنظومة السائدة في هذه البيئة فإن حركة المقاومة ستكون أشد وأعنف. وبالتالي فإن اختيار الإسلام كفكرة مركزية في مجتمعاتنا الإسلامية يسهل عملية التنمية والتغيير. كما أن الإسلام كعاطفة قوية في مجتمعاتنا كفيل بتحريك الشعوب وتحفيزهم للعمل والنهوض من أجل تحصيل الجزاء الأخروي.

ولقد فطن المخططون لقيام دولة إسرائيل إلى هذا الأمر. فرغم أنهم كانوا علمانيين إلا أنهم اختاروا فكرة مركزية دينية تقول بضرورة اجتماع اليهود على أرض الميعاد (أرض فلسطين). وعززوا الخطاب الديني لحشد اليهود من كل أقطار العالم، وسموا دولتهم "إسرائيل" وهو نبي الله يعقوب، فكان اسم الدولة اسماً دينياً، وبذلك فقد اختاروا الخطاب الديني من باب المصلحة.

إن الشيء الذي يجب ألا يكون محل خلاف هو أنه كلما كانت الفكرة المركزية لعملية التغيير متفقة مع المنظومة القيمية في المجتمع المراد تغييره، كلما كانت عملية التغيير أسرع وأنجح.

إن سرعة اختيارنا للاسلام كفكرة مركزية يوفر علينا آلام التجارب الفاشلة التي قد نمر بها ونحن نحاول استنبات أفكار أخرى في  مجتمعاتنا. ونحن قد عانينا بالفعل من هذه التجارب الفاشلة منذ ميلاد حركة النهضة في المجتمعات الإسلامية. و لا زالت تمارس - حتى اليوم - تجارب تلو تجارب، وأفكار تلو أفكار، وكلها تصطدم بالمنظومة القيمية المترسخة في مجتمعاتنا الإسلامية. وتكون النتيجة - بعد عقود من الزمن - خسائر وهزائم ونكسات وتراجعات.
مما سبق يتبين لنا أن كل عملية استنهاض في جوهرها تتبنى ما يمكن أن نطلق عليه فكرتها المركزية. ولكن هذه الفكرة المركزية لا تقوم بتحريك الناس مباشرة، فهي تحتاج إلى عامل آخر مكمل، يمكن أن نطلق عليه الفكرة المحفزة.

 الفكرة المحفزة
وجوهرها وجود قضية محورية تمس حياة الناس مباشرة. وهي تؤسس خطابها على البواعث الداخلية النفسية الدفينة، كالعزة الدينية،, والانتصار لمبادئ الإله، أو العزة القومية التي تخاطب المجد والسؤدد، وكالمثالية التي تريد حث الفقراء لمدافعة الظلم وتحقيق المساواة، ولكنها تتبنى قضية ملموسة بالنسبة للجمهور المخاطب. وتصبح الفكرة المحفزة هي المحور الذي يتم التركيز عليه لاستقطاب الناس



من خلال مخاطبة المعاني الدفينة، وطرح القضية المحسوسة الملموسة التي تقع في المجال الذي يرى فيه الفرد العادي دوره واضحاً وحاجته إليه ماسة. فيلتف الناس حول هذه الفكرة وينصرونها ويبذلون في سبيلها الغالي والنفيس.

إن الفكرة المركزية وحدها ليست كافية لتحريك الجماهير؛ بل لابد أن يصحبها فكرة محفزة من صلب الفكرة المركزية وتبني على تراثها. فموسى حرك قومه للخلاص من الاضطهاد بحلم الوصول إلى أرض العسل واللبن، أرض فلسطين. والرسول r يحرك العالمين للخروج من جور الأديان إلى عدل الإسلام في واقع كان الظلم فيه سائداً. والمصلحون والثوار حركوا شعوبهم من خلال تبني قضايا مستقرة في احتياجات المجتمع وصاغوا منها خطاباً حاشداً للطاقات واضحاً غير معقد. فهذا مارتن لوثر كينج يقود حركة السود في أمريكا بطرح مطالب يستشعرها السود وتتفق مع قيم المجتمع الأساسية، وهي قضية المساواة. وقل ذلك على نيلسون مانديلا وعن حركات التحرير وحركات التنمية المركزة في الصين، حيث الشعور القومي يطالب بصين موحدة مكتفية حرة، لها مكانتها بين الدول، وفلاحين فقراء يستشعرون الظلم الاجتماعي.

المصدر: كتاب قوانين النهضة 

انتهى الجزء الثاني


السبت، 16 يونيو 2012

قوانين النهضة - القانون الاول - الفكرة المركزية - الجزء الاول

قوانين النهضة
القانون الاول - الفكرة المركزية -
الجزء الاول 

مفردات القانون

الفكرة المركزية: هي عبارة عن مجموعة المبادئ العامة التي تعتمدها أي دعوة أو حركة أو تجمع. أو المبدأ الذي تعتنقه الدولة، وتنظم حياتها تبعاً لتعاليمه.
وإذا تبنت حركة ما أو دولة ما فكرة مركزية بعينها، يصبح دور الفكرة هو صياغة كل مظاهر الحياة وفقها، وتصبح هي محور حركة الدولة.
الأفكار المحفزة هي التي تخاطب فينا البواعث الداخلية النفسية الدفينة، كالعزة الدينية, والانتصار لمبادئ الإله، أو العزة القومية التي تخاطب المجد والسؤدد، وكالمثالية التي تريد حث الفقراء لمدافعة الظلم وتحقيق المساواة. وبذلك تصبح الفكرة المحفزة هي المحور الذي يتم استقطاب الناس من خلاله. وهي كذلك بالضرورة تعالج مشكلة محسوسة بشكل مباشر للمخاطبين بالفعل.

أهمية القانون

هو أول قانون يجب دراسته دراسة جيدة حيث أن تحديد مفرداته يعني:
1-    تحديد ضوابط ومنطلقات العمل النهضوي.
2-     تحديد شكل النهضة المنشودة.
تحديد خطاب وفكرة الحشد الجماهيري.

ونحسب أن كثيراً من العاملين في مجال النهضة اليوم لا يوجد لديهم تصور واضح للفكرة المركزية وأثرها على التدافع القائم، ولم يضعوا أيديهم على الفكرة المحفزة التي تلمس أوتار قلوب وعقول المخاطبين، وتدفعهم للمشاركة وبذل الجهد، فظلت الحركات والأحزاب والحكومات عاجزة عن تفعيل طاقة الجماهير في المشاركة الفاعلة في التغيير والتنمية.

الفكرة المركزية
ما المقصود بالفكرة المركزية في النهضة ؟
إذا نظرنا إلى الحراك الضخم الذي أحدثه الإسلام في الجزيرة العربية - ابتداءا، ثم في بقية  أنحاء العالم؛ لوجدنا أن قلب هذا الحراك ومحركه الأساسي هو الإسلام. وإذا نظرنا إلى الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية والدول التي دارت في فلكها، لوجدنا أن محركاً كبيراً مثَّل قلب تلك الحركة، هذا المحرك هو الفكرة الشيوعية.ثم إذا نظرنا إلى حركة المنظومة الغربية سنجد في قلبها الفكرة الليبرالية.

مواصفات الفكرة المركزية
1-     تتجسد في أيديولوجيا قادرة على صبغ كل مجالات الدولة بها.
2-     قادرة على التعامل مع المتغيرات المستمرة.
مركبة بحيث لا يفهمها بدقائقها عامة الناس بسهولة. فلا يلم بها إلماماً جيداً إلا المثقفين وقادة الرأي.


فالفكرة المركزية هي في جوهرها مجموعة من المسلمات والعقائد التي يبنى عليها نظام القيم، ويصطبغ بها نظام المجتمع الأساسي ونظمه.

مكونات الفكرة المركزية
تتكون الفكرة المركزية من جزأين:
1.     جزء صلب وهو الذي يعطي الوصف للفكرة.
2.     جزء مرن وهو الذي يستجيب لاحتياجات كل مجتمع وخصوصياته.
1.     جزء صلب:
ويتمثل - في الفكرة المركزية الإسلامية - في العقيدة باركانها على وجه الإجمال. وفي العبادة بالصلاة والزكاة والصيام والحج. وفي العموم كل مستلزمات الشهادتين من فرائض وغيرها. ويدخل في هذا الجزء المعلوم من الدين بالضرورة. وعليه يترتب الولاء والبراء وهو الذي يشكل المرجعية الأساسية.
2.     جزء مرن:
تركه الشارع، وهو على نوعين:
§  ما يتراوح فيه الحكم بين خيارات محدودة؛ وهي معظم قضايا الفقه التي جاءت بها النصوص، مثل الخلاف حول "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" هل يدخل الوجه في إطار هذه الأمر كما قال المفتون بالنقاب أم لا يدخل كما قال المخالفون لهم؟ وبالتالي فمساحة الخلاف محدودة بهذين الرأيين.
§ الوقائع التي لا نص فيها؛ وهي ما يطلق عليها منطقة العفو التشريعي، حيث يدور الحكم مع تحقيق المصلحة، كما هو مقرر في كتب الأصول، ولكنه مؤطر بمقاصد الشريعة وكلياتها، مثل قضية آليات الحكم وأشكاله، وغير ذلك.

نماذج للأفكار المركزية:
ولنأخذ أمثلة على الأفكار المركزية التي طرحت:
أولاً: الفكرة الليبرالية
يقوم جوهر الفكرة الليبرالية على الفردية. بمعنى أنها تنطلق من فكرة مفادها أن هناك عدم توازن بين سلطات الدولة وحقوق الأفراد، وأن الدولة تسعى – وباستمرار - للتغول واستقطاع حقوق الأفراد، وتنتقص من حرياتهم. وبالتالي فالمبدأ الفردي يقوم على إعطاء أقصى قدر من الحريات للفرد، وحمايته من تغول الدولة على حقوقه. وطغيان وتقديم مصلحة الفرد على المجتمع.
والليبرالية قوامها دنيوي. أي لا تهتم بالبعد الغيبي. فليست هناك حقوق غيبية مقدسة يمكن الرجوع إليها؛ بل هناك أعمال المفكرين وما يتفق الناس على كونه صالحا ليتعايشوا به.
وقد انعكس هذا الفهم على عدد من الأمور. فمبدأ الليبرالية الثاني وهو الحرية قاد إلى الاهتمام الشديد بتقويض سلطات الدولة، وإطلاق الحريات للناس بشكل كبير. فطرحت الليبرالية تخليص المرأة من سيطرة الزوج والأسرة، وتخليص الأبناء في سن مبكرة من سيطرة الآباء، وتخليص الناس من أن يلقنوا الديانات في المدارس، أو ما شابه ذلك.
ومن مبادئ الليبرالية الكبرى المساواة والتعايش من خلال إعلاء مبدأ العلمانية، فهي ترى أن الناس يمكن أن يتعايشوا رغم الاختلافات ورغم تباين وجهات النظر. وأن هذا التعايش يمكن أن تحل فيه الخلافات بالحوار، وأن المبدأ الأساسي في هذه المجتمعات هو التراضي عبر التصويت، وأن الدستور هو الضامـن لما هو متفـق عليه، وأنه يجب أن يكون هناك فصـل بين السلطات، بين السلطـة التنفيذيـة

والسلطة التشريعية والسلطة القضائية.


المصدر: كتاب قوانين النهضة 

انتهى الجزء الاول