قوانين النهضة
القانون الاول - الفكرة المركزية -
الجزء الثاني
ثانياً:
الفكرة الشيوعية
إذا نظرنا إلى الشيوعية، سنجد أن قلب الفكرة الشيوعية يقوم على تقليص دور
الفرد لصالح المجموع. فبحجة حماية مصالح العمال، والمصلحة العامة، والقضاء على الطبقة
الرأسمالية، وعلى الإقطاع، وعلى استغالال الإنسان؛ تقوم الدولة بالسيطرة على جميع مناحي الحياة وتقييد الحريات، ورسم الحوارات المقننة، وتعريف المساواة بطريقة تجعل
الإنسان ترس في الآلة الشيوعية. ولا
تقبل الدولة في هذا النظام التعايش إلا بالموافقة على مبادئها والعيش بها. وترى أن التراضي يجب أن
يكون بين الطبقة العاملة. وبالتالي يجب قمع
بقية الطبقات. والدستور هو دستور الشعب.
فالشيوعية تؤمن بالحرية
والحوار والمساواة والتعايش والتراضي والدستور، ولكن بتفسير يصب في مجمله على القضية الرئيسية، ألا وهي تقليص
حقوق
الفرد لصالح المجموع.
ثالثاً: الفكرة الإسلامية:
إن جوهر الإسلام هو العدل أو بحسب التعبير القرآني
"ليقوم الناس بالقسط"، فيأتي الإسلام ليوازن بين حقوق الفرد وحقوق المجتمع، وينظم هذه العلاقة من خلال نصوص، سواء أكانت قطعية الثبوت أو قطعية الدلالة، أو ما
هو دون ذلك، أو ما هو في منطقة المباح.
وهكذا سنجد أمامنا ثلاثة أفكار
مركزية كبرى. تطرح كل منها كلمات مثل الحرية والمساواة والتعايش والتراضي والحوار والدستور وغيرها. لكن ما الذي يفرق بين هذه الأفكار؟
الحقيقة أن هذه الكلمات
كالحرية والعدل والمساواة عندما تجرد بمثل هذا الشكل تسمى مفاهيم. وهذه المفاهيم
في حد ذاتها ليست موضع خلاف. ولكنها تحدد من خلال
الفكرة المركزية وتصطبغ بها، ومن هنا يأتي الخلاف.
ولنفهم هذا الموضوع نضرب مثلاً
بالحرية. وابتداءً نطرح هذه التساؤلات:
§ متى تمنح الحرية؟؟
§ كيف تمنح؟؟
§ ما هي السعة التي يتحرك
فيها الإنسان؟؟
§ من يحدد هذا السقف؟؟
سنجد أن هذا السقف في
الإسلام يحدده الله سبحانه وتعالى، بينما يحدده الإنسان في كل
من الشيوعية والليبرالية.
إن الإطار المرجعي أوالفكرة المركزية لكل مجتمع أو
لكل أمة من الأمم هو الذي يصبغ هذه المفاهيم بصبغته، ويكون
التصورات لدى هذه الأمم عن تلك المفاهيم. والإطار
المرجعي لدى الغرب يتمثل في فكرة الليبرالية، ولدى
المجتمعات الشيوعية يتمثل في الماركسية، ويتمثل في الإسلام لدى المجتمعات المسلمة، وهكذا.. وهذا الإطار المرجعي هو من صنع الإنسان في الشيوعية والليبرالية، أما لدى
المجتمعات المسلمة فإنه من الوحي.
فإذا قال قائل: إن
هناك مفاهيم كثيرة في التراث الإسلامي تعمل على صناعة الإسلام، وعلى صورته الوردية
التي يرسمها دعاة
الإسلام!!
نقول له
أنه لا يلغى الفكرة الإسلامية بعض
الأفكار أو المفاهيم التي دخلت على الفكرة الرئيسة عبر القرون المتطاولة، بل يجب إزالة هذه
الحشائش الضارة من هذا التراث الضخم، وأن يؤخذ منه ما هو متفق مع نصوص الإسلام الصحيحة السليمة، وما هو متفق مع أسمى وأنبل
ما في:-
البشرية
من أخلاق وقيم.
الإسلام فكرة مركزية من
باب الدين و المصلحة
نحب أن نوضح لكل تيارات الأمة أن اختيارنا للفكرة المركزية في مجتمعاتنا الإسلامية
ليس فقط من باب الدين - وإن كان هذا هو غاية المنى وأسمى اختيار - إنما هو
أيضاً من باب المصلحة. فعلماء الإدارة حين يتحدثون عن التنمية والتغيير
في المنظمات والمؤسسات والدول ينصحون بان يكون متفقا مع
المنظومة القيمية الأساسية داخل هذه المنظمة. وأنه في
حالة اختيار منظومة قيمية نقيضة للمنظومة السائدة في هذه البيئة فإن حركة المقاومة
ستكون أشد وأعنف. وبالتالي فإن اختيار الإسلام كفكرة مركزية في مجتمعاتنا الإسلامية يسهل عملية التنمية والتغيير. كما أن الإسلام كعاطفة قوية في مجتمعاتنا كفيل بتحريك الشعوب وتحفيزهم
للعمل والنهوض من أجل تحصيل الجزاء الأخروي.
ولقد فطن المخططون لقيام دولة إسرائيل إلى هذا الأمر.
فرغم أنهم كانوا علمانيين إلا أنهم اختاروا فكرة مركزية دينية تقول بضرورة اجتماع
اليهود على أرض الميعاد (أرض فلسطين). وعززوا الخطاب الديني لحشد اليهود من كل
أقطار العالم،
وسموا دولتهم "إسرائيل" وهو نبي الله يعقوب، فكان اسم الدولة اسماً
دينياً، وبذلك فقد اختاروا الخطاب
الديني من باب المصلحة.
إن الشيء الذي يجب ألا يكون محل خلاف هو أنه كلما كانت الفكرة المركزية لعملية التغيير متفقة مع المنظومة القيمية في
المجتمع المراد تغييره، كلما كانت عملية التغيير أسرع وأنجح.
إن سرعة اختيارنا للاسلام كفكرة مركزية يوفر علينا آلام التجارب الفاشلة التي قد نمر بها ونحن نحاول استنبات
أفكار أخرى في مجتمعاتنا. ونحن
قد عانينا بالفعل من هذه التجارب الفاشلة
منذ ميلاد حركة النهضة في المجتمعات الإسلامية. و لا زالت تمارس - حتى اليوم - تجارب
تلو تجارب، وأفكار تلو أفكار، وكلها تصطدم بالمنظومة القيمية المترسخة في مجتمعاتنا الإسلامية. وتكون النتيجة - بعد عقود من الزمن - خسائر وهزائم ونكسات وتراجعات.
مما سبق يتبين لنا أن كل عملية استنهاض في جوهرها تتبنى ما يمكن أن نطلق
عليه فكرتها المركزية. ولكن هذه الفكرة المركزية
لا تقوم بتحريك الناس مباشرة، فهي تحتاج إلى عامل آخر مكمل، يمكن أن نطلق عليه
الفكرة المحفزة.
الفكرة المحفزة
وجوهرها وجود قضية محورية
تمس حياة الناس مباشرة. وهي تؤسس خطابها على البواعث الداخلية النفسية الدفينة، كالعزة
الدينية،, والانتصار لمبادئ الإله، أو العزة القومية التي تخاطب المجد والسؤدد،
وكالمثالية التي تريد حث الفقراء لمدافعة الظلم وتحقيق المساواة، ولكنها تتبنى
قضية ملموسة بالنسبة للجمهور المخاطب. وتصبح الفكرة المحفزة هي المحور الذي يتم
التركيز عليه لاستقطاب الناس
من خلال مخاطبة المعاني الدفينة، وطرح القضية المحسوسة الملموسة التي تقع
في المجال الذي يرى فيه الفرد العادي دوره واضحاً وحاجته إليه ماسة. فيلتف الناس حول هذه الفكرة وينصرونها ويبذلون في سبيلها الغالي والنفيس.
إن الفكرة المركزية
وحدها ليست كافية لتحريك الجماهير؛ بل لابد أن يصحبها فكرة محفزة من صلب الفكرة
المركزية وتبني على تراثها. فموسى حرك قومه للخلاص من الاضطهاد بحلم الوصول إلى
أرض العسل واللبن، أرض فلسطين. والرسول r يحرك العالمين للخروج من جور الأديان إلى عدل الإسلام في واقع كان
الظلم فيه سائداً. والمصلحون والثوار حركوا شعوبهم من خلال تبني قضايا مستقرة في
احتياجات المجتمع وصاغوا منها خطاباً حاشداً للطاقات واضحاً غير معقد. فهذا مارتن
لوثر كينج يقود حركة السود في أمريكا بطرح مطالب يستشعرها السود وتتفق مع قيم
المجتمع الأساسية، وهي قضية المساواة. وقل ذلك على نيلسون مانديلا وعن حركات
التحرير وحركات التنمية المركزة في الصين، حيث الشعور القومي يطالب بصين موحدة
مكتفية حرة، لها مكانتها بين الدول، وفلاحين فقراء يستشعرون الظلم الاجتماعي.
المصدر: كتاب قوانين النهضة
انتهى الجزء الثاني
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق