الثلاثاء، 17 يوليو 2012

قوانين النهضة - القانون الثاني - القوة الدافعة - الجزء الخامس

                                              قوانين النهضة

                                    القانون الثاني - القوة الدافعة -                                                        

                                              الجزء الخامس 



عملية البعث النفسي

مظـاهر الإيمان بالفكرة:هو جعلها – أي الفكرة - مقياساً، والحكم بالصواب أو الخطأ على أساسها.

مظاهر العزة: تكمن في تغير أنماط الحياة تبعاً لفكرة وتغليبها على ما سواها، سواء في اللغة والملبس والمشرب وأنماط السلوك.. والشعور بتميز الذات حاملة الفكرة وبقدرتها على التنفيذ (الثقة).

مظاهر الأمل: ظهور الروح الإيجابية والإقبال على العمل.

كيف قام الغرب بزرع المكنة النفسية؟
عندما أدرك قادة الغرب أهمية البعث النفسي لمجتمعاتهم، قاموا بزراعة المكنة النفسية على مسارين: 
                             
الأول: إعادة قراءة التاريخ وعرضه

حيث قاموا بتقزيم دور الحضارات المشرقية، والمرور عليها مروراً سريعاً – رغم أن الحضارة الإسلامية وحدها امتدت عشرة قرون كان الغرب حينها في حالة تخلف شديدة – بحيث يخيل للطالب الأوروبي أن الغرب هو منبع الحضارة طيلة العصور.

الثاني: عمل تراكم في الإنجازات العملية

 أسبانيا تطرد المسلمين من الأندلس فترتفع الروح المعنوية للغـرب 1492م.
اكتشاف الأمريكتين (مدن الذهب) الذي دفع كل الطموحين للذهاب إلى هناك.
اكتشاف رأس الرجاء الصالح (طريق الحرير الجديد).
حركة الترجمة التي أعقبت الحروب الصليبية والاتصال بعلوم المسلمين.
التحولات العلمية والمخترعات الكبرى مثل اختراع آلة النسيج 1768م، والبخار 1769م، حتى اختراع الكهرباء 1879م.

كيف قام الرسول بعملية البعث النفسي في مكة؟

سار الرسول على نفس المسارين في عملية البعث النفسي للأمة العربية:

 إعادة عرض التاريخ: وقد تم ذلك على محورين:

الأول: من خلال عرض مسار الأنبياء من لدن آدم وحتى مبعثه, وعرض أمجادهم وانتصاراتهم، ثم الإشارة إلى الخط المتصل بين هذا المسار – مسار الأنبياء – وبين الذين اتبعوه، وأنهم لا شك منتصرون كما انتصر أسلافهم. فجعل خطاً رابطاً متصلاً من لدن آدم وحتى صحابته وأتباعه. وقد تم كل هذا

العرض من خلال القرآن الكريم والأحاديث الشريفة.

والثاني: من خلال سحب الشرعية عن أهل الكتاب والمشركين وبيان الأسباب.

عمل تراكم في الإنجازات العملية: وقد تم ذلك من خلال عدة أشكال:
إعادة تعريف الهزيمة والنصر: ففي قصة أصحاب الأخدود مثلاً تم الإعلان عن انتصار المؤمنين رغم القضاء عليهم. وهكذا انقلبت موازين النصر والهزيمة. فأصبح بعض ما تراه العين هزيمة يعتبره المسلمون نصراً، وبعض ما يُرى نصراً يعتبره الإسلام هزيمة.

تقديم إنجازات تبشر الناس بغد أفضل: مثل إرسال الناس إلى الحبشة لينجو بهم من التضييق، وليكون نواة انطلاق جديدة، كذلك دعاء الله أن يعز الإسلام بأحد العمرين، فكان إسلام عمر نقلة نوعية، وكذلك إسلام حمزة. ثم كانت محاولات القائد المتتابعة لعرض الإسلام على القبائل وطلب النصرة دافعاً للأتباع الذين يرون أن قيادتهم لم تستسلم  للأعداء- حتى ولو لم تكلل هذه المحاولات بالنجاح.

تقديم إنجازات من خلال تصعيد الخطاب:  فالكلام في زمن الصمت يعد فعلاً قوياً يحفز الجماهير. لذلك كان القرآن يتنزل في مكة – رغم التضييق – ليحشد الرأي العام المرتقب بخطاب قوي واضح.


عمل تراكم في الإنجازات العملية:


ونحب هنا أن نؤكد على أمر ثالث: وهو أن التراكم في الإنجازات العملية وحده لا يكفي، بل لابد من حسن عرض هذه الإنجازات على المجتمع لتتولد عنده القوة الدافعة. فالفعل الإيجابي المؤثر وحده لا يكفي؛ بل لابد أن تتبعه آلة دعائية إعلامية تعلن عن الإنجازات وعن آثارها الإيجابية بشكل مؤثر. وسنشير لاحقاً إلى آليات البعث النفسي.

وإذا نظرنا إلى شروط البعث النفسي الثلاثة (الإيمان والعزة والأمل) ومعايير تحقيقها على أرض الواقع، سنجد الإسلام قد غير الروح المعنوية للأمة في مواجهة الآخرين ببعث المشاعر الثلاثة من خلال:
‌أ)    الإيمان برسالة الأمة.
‌ب) والاعتزاز باعتناقها والانتماء للأمة.
‌ج)  ثم الأمل في تأييد الله لها.


كما سنجد اليابانيين عملوا على بعث شعورهم في عصرنا الحديث من خلال:
‌أ)   الإيمان بقدراتهم.
‌ب)  والاعتزاز بشعبهم.
‌ج)    ثم الأمل في أن يصبحوا القوة الأولى.


وكذلك الألمان في عصرنا عملوا لبعث شعورهم على نفس المحاور:
     ‌أ)  الإيمان بقدرتهم على النصر.
  ‌ب)  الاعتزاز بتفوق العرق الآري.
   ‌ج)  الأمل في أن يصبحوا إمبراطورية عظمى.

ولننظر كذلك إلى بعث شعور اليهود بقوميتهم وعلى نفس المحاور كجزء من المشروع الصهيوني.
ولننظر إلى المكنة النفسية الأمريكية اليوم وما تحاول أن تفعله.

ولكن هل تتم عملية البعث النفسي بهذه السهولة أم أنها تجد من الصعوبات ما يجعل تحقيقها من أشق خطوات الفعل النهضوي؟؟!!

الحرب النفسية

إن ساحة الفعل النهضوي مليئة بالصراعات والمتناقضات. ففيها الصديق والمتحالف والمحايد والخصم. وبنفس القدر الذي نحاول به بعث المكنة النفسية في مجتمعاتنا يستخدم الخصم الحرب النفسية لتحطيم هذه المشاعر الثلاث: (الإيمان والعزة والأمل).

يقول أحمد نوفل في كتابه "الإشاعة": "..الحرب النفسية هي الاستخدام المحقق للدعاية، أو ما ينتمي إليها من الإجراءات الموجهة للدول المعادية أو المحايدة أو الصديقة، بهدف التأثير على عواطف وأفكار وسلوك شعوب هذه الدول بما يحقق للدولة المواجهة أهدافها.."

إذن هناك طرف معادٍ يقوم بالدعاية بأسلوب مخطط، في محاولة غزو نفسية المجتمعات العربية والإسلامية. ويحقق أهدافه من خلال هذا التلاعب بالأفكار والعواطف عند الآخرين. ويقول المؤلف في موضع آخر: ".. ولقد آتت هذه الحرب أكلها، ووصلت إلى نتائجها، لأول مرة في تاريخ المسلمين، هزيمةً روحيةً وشعوراً بالتفوق المنهجي الغربي" ويقول تشرشل: "كثيراً ما غيرت الحرب النفسية وجه التاريخ."


إن الحرب النفسية حقيقة واقعة على مجتمعاتنا من قبل أعدائنا. وهي حرب لديها برامجها وفكرتها المركزية وفكرتها المحفزة. وهي حين تغزو المجتمعات، فهي تعتقد أنها هشة، وأنها قادرة على امتصاصها، والتلاعب بها، وتُستخدم في توجيه هذه المجتمعات، بحيث تنساق وراء مطالب الدول المهيمنة.


ويقول محمد صفا في كتاب "الحرب": ".. المحاربة النفسية تتجه بكل ثقلها للضغط على الأعصاب، فتلقي في روع السامع شعوراً بعقم المقاومة وحتمية الهزيمة.."

وهكذا سنجد أن الحرب النفسية تتميز بالقدرة على تدمير الإرادة الفردية وإحداث التدمير الاجتماعي. "..وترتبط الحرب النفسية ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الرأي العام وشروط تكونه والثبات عليه أو تغييره. وهي تلعب الدور الرئيس والمميز في تكوين هذه الشروط. وهنا يتدخل علم نفس الجماهير كلاعب أساسي على مسرح الحرب النفسية.."

ما هي المواضيع الرئيسة للحرب النفسية؟

لقد حفل التاريخ القديم والحديث بنماذج متعددة من الحرب النفسية، والتي شملت المواضيع التالية:

§  دس الذعر.
§  شتم العدو وتحقيره.
§  دس الشائعات ونصب الفخاخ.
§  تضخيم قوة الصديق والمبالغة في حجمها.
§  إثارة البلبلة والتوتر والفضائح.
§  الحيلة والإيحاء.
§  الترغيب والترهيب والتضليل ورسم الآمال الخيالية.
§  استغلال الانشقاقات الدينية والعقائدية أو خلقها.
§  التهديد بالسلاح المتفوق.
§  عقيدة العدو افتراءً غير محق.


المصدر: كتاب قوانين النهضة 

انتهى الجزء الخامس



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق