قوانين النهضة
القانون الثاني - القوة الدافعة -
الجزء السادس
كيف تتلقى الجموع هذه الحرب
النفسية؟
وحتى نعلم كيف تتلقى المجتمعات هذه الحرب النفسية
الموجهة يجب أن نشير إلى أقسام الرأي العام في فترات السكون ثم في مراحل الأزمات.
أولاً: في فترات السكون والدعة:
سنجد أن المجتمعات تنقسم إلى
ثلاثة أقسام كبيرة:
1.
عقل قائد: وهم صفوة المجتمع من القادة والمفكرين والعلماء
والساسة، وهؤلاء نسبتهم ضئيلة في المجتمع، وهم يصنعون الدعاية ولا يتأثرون بها.
2. عقل مثقف: وهم المتعلمون والمثقفون الذين يشاركون في صناعة
الرأي العام والتأثير على من دونهم من حيث الثقافة.
3.
عقل العوام: وهو يمثل الرأي العام الشعبي. وهو ما يمكن أن
يطلق عليه (رأي أنثوي)، أي يهتم بالعواطف وينساق وراءها، ولا يُحَكِّم العقل.
ثانياً: في فترات الأزمات:
وسنلحظ هنا ظاهرة عجيبة. وهي اختفاء الشريحة الثانية في
أوقات الأزمات. حيث يتحول العقل المثقف إلى عامي وبالتالي ينضم المثقف إلى الرأي
العام العامي. وبذلك نجد أمامنا شريحتين: عقل القائد وعقل العامي.
ولهذا السبب تتجه القيادات السياسية دائماً إلى
مخاطبة الرأي العام العامي وليس المثقف في أوقات الأزمات. فنجد الرئيس الأمريكي
جورج دبليو بوش مثلاً يتحدث عن الخير والشر، وعن الأخيار والأشرار عقب أحداث
الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد.
ونحب أن نؤكد هنا أن
الجهل بنفسية الجماهير وكيفية تقبلها للأفكار يحول دون إمكانية حشدها وبعثها
نفسياً. ومن المبادئ التي يجب الاهتمام
بها عند التعامل مع الجمهور:
1-
الجمهور لا يقبل الأفكار المركبة وإنما يهتم بالشعارات والرموز والصور.
2-
الجمهور بحاجة إلى قائد يجسد الفكرة ويرى فيه الأمل.
3-
لا يظل الرأي مستثاراً لفترة طويلة إلا إذا شعر
الناس بأن صالحهم الخاص يتصل بهذا الرأي اتصالاً قوياً.
4- الجمهور
– كقاعدة عامة – يعترض على مواقف لا على مباديء، ومن ثم قد تحدث تغيرات فجائية في
الرأي إذا تعدل الموقف.
5-
دخول قوة شخصية جديدة تمثل بوضوح مسألة من
المسائل، قد يحدث تغييراً مفاجئاً في الرأي. أما الأسباب والبراهين فقلما كان لها
سيطرة ثابتة على عقول معظم الناس.
6-
يصاب الرأي العام بحالة من الإثارة في حالة إذكاء
الروح العسكرية والتبشير بالنصر.
7-
يتأثر الرأي العام ويتقرر بالأحداث أكثر من تأثره
بالكلمات.
نماذج الحرب النفسية
نموذج فيتنام وأمريكا
إذا نظرنا إلى التجربة الأمريكية في فيتنام سنجد دولة
عملاقة متفوقة حجماً وموارداً وعلماً
وتقنية وقدرة تدميرية، تتجه إلى شعب فقير أعزل تريد أن تحاصره، وأن تسيطر
وتهيمن عليه. فتنطلق في حرب مدمرة ضده، وتجتذب إليها نصف الشعب
ليقف معها، وحكومة عميلة تمارس دور العراب، أو حصان طروادة ، لكسر هذا الشعب
الفيتنامي، وتقاوم حركة المقاومة.
وإذا أمعنا النظر في هذا النموذج سنجد أن الولايات المتحدة الأمريكية المتفوقة تستخدم كل الأسلحة الممنوعة في تلك اللحظة التاريخية ضد حركة المقاومة الفيتنامية. ومن الناحية العملية لا يمكن للثوار ككتلة
أن يصمدوا أمام هذه الآلة العسكرية. ولكن يبقى
أمام المستضعفين استراتيجية واحدة: وهي إطالة أمد الحرب، وزيادة تكاليف بقاء الخصم.
فاستخدموا
أسلوب حرب العصابات، وحروب الكر والفر، وحرب الغارات، والهجوم المضاد، بمجموعات صغيرة. وقد كان
بإمكان العملاق الأمريكي الضخم أن يدهس أي قوة تواجهه - وإن كانت كتلة كبيرة - ولكن
عندما تكون الهجمات
من مجموعة من البراغيث التي تلسع فتدمي ثم تفر؛ تحدث عملية الاستنزاف لهذا الفيل
الضخم، عبر هذه البراغيث الكثيرة. وهكذا استمرت عملية لي الذراع
أو العض
المتبادل. وكانت الحرب حرب إرادات. وجهت
فيها الولايات المتحدة الأمريكية كل آلاتها الإعلامية والدعائية، وكل إجراءاتها
لإقناع الطرف الآخر- وهم الفيتناميون - باستحالة تحقيق أهدافهم وحتمية هزيمتهم. ثم ماذا كانت النتيجة؟! انتصر الطرف الأضعف على الطرف
الأقوى؛ لم يعد الفيل قادراً على الصمود، وأصبحت تكلفة البقاء أكبر بكثير، من الفائدة من البقاء، وانتصرت الإرادة، ولم تنكسر نفسية
الفيتناميين.
من أين جاءت هذه النتائج التي قلبت المعادلة؟! إذا
اتفقنا على أن الولايات المتحدة حاربت الفيتناميين بنسبة عشرين في المائة للحرب
النفسية، وثمانين في المائة لحرب الآلة، فقد استطاعت المقاومة الفيتنامية قلب المعادلة
بحيث أصبحت الثمانون في المائة
حرباً نفسية والعشرون حرب آلة؛ لأنه إذا ما تم كسر إرادة الخصم، لم يعد هناك حاجة
إلى استخدام الأدوات، فالأدوات فقط من أجل إقناع الطرف الآخر بعدم جدوى المحاولة
بحيث يقع في روعه - كما يقول محمد صفا -
الشعور بعقم المقاومة، وحتمية الهزيمة.
هذا النوع من الأداء، أعطى مؤشراً واتجاهاً آخر
للحروب؛ فأصبحت الحروب اليوم تتجه في كتلتها الأساسية إلى المحاربة النفسية. إذ
تلقي في روع الخصم عدم جدوى المقاومة، وأن الحرب لا محالة منتهية لصالح عدوه،
وبالتالي عليه الاستسلام.
الحالة الإسرائيلية مع الحالة العربية
إذا نظرنا إلى الحالة الإسرائيلية مع الحالة العربية، سنجد أن هذا الكيان الصغير يؤثر على مجموعة كبيرة جداً من الدول، ويقودها إلى الاستسلام!!
وهذا ما لم يكن
ممكنا لولا استخدام فن المحاربة النفسية بكثافة شديدة
وعنيفة، ما أدى إلى انكسار إرادة قادة أغلب هذه الدول أمام تلك الأوضاع.
آليات البعث النفسي ومواجهة الحرب النفسية
وإذا كانت الحرب النفسية تريد أن تقنعنا كأمم وشعوب
بعقم المقاومة، وحتمية الهزيمة، فالمطلوب منا
أن نواجه المعركة الضخمة من الحرب النفسية - التي مجالها العقول والنفوس، والتي
تستخدم فيها الكلمات والعبارات والإجراءات- بحرب نفسية مضادة، أو بعملية إنقاذ
نفسية، إن صح التعبير.
وفي آليات البعث النفسي: فإن واجب الإعلام اليوم هو
الاهتمام بأدوات التعليم. وواجب
قادة الدول الإسلامية وحكوماتها هو إعادة صياغة الخطاب الجماهيري. وإعادة صياغة التعليم، وكل أشكال التوجيه؛
لإيجاد كتلة حرجة مؤمنة بإمكانية النجاح، ومحصنة ضد عوامل اليأس. وهذا يحتاج إلى تعاون بين المفكرين وبين قادة هذه المجتمعات وحكوماتها،
وبين قادة الرأي وبين العاملين في الإعلام، والتعليم؛ حتى تصبح نظرية الحرب
النفسية مفهومة، وتصبح جزءاً من تكوين الفرد المسلم العربي في مجتمعاتنا. لابد من فهم مؤكد لقضية المحاربة النفسية، وأثرها في التأثير على
المجتمعات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق